الشيخ الطبرسي
729
تفسير جوامع الجامع
( أَنْ جَآءَهُ ) منْصُوبٌ ب ( تَوَلَّى ) و ( عَبَسَ ) على اختلافِ المَذْهَبَيْنِ ، ومعنَاهُ : عَبَسَ لأَنْ جاءَهُ الأَعمى وأَعْرَضَ لذلك ، ورُويَ أنَّه ( عليه السلام ) ما عَبَسَ بَعْدَها في وَجْهِ فَقير قَطّ ، ولا تَصَدَّى لِغَنيٍّ ( 1 ) ( وَمَا يُدْرِيكَ ) أي : وأيُّ شَيء يَجْعَلكَ دَارياً بحالِ هذا الأَعمى ( لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ) أي : يَتَطَهَّرُ بِمَا يَتَلَقَّنُ من الشَّرائعِ وَيَتَعَلَّمُ . ( أَوْ يَذَّكَّرُ ) أَو يَتَّعظ ( فَتَنْفَعَهُ ) ذِكْراكَ أي : مَوْعِظَتُكَ ، وقيلَ : إنَّ الضَّميرَ في ( لَعَلَّهُ ) للكافِر ( 2 ) . والمعنى : إنَّكَ طَمَعْتَ في أَن يَتَزَكَّى بالإِسلام أَو يَتَذَكَّرَ ويَقْبَلَ الحقَّ ، وما يُدْريكَ أَنَّ ما طَمَعْتَ فيهِ كائِنٌ ؟ وقُرِئَ : ( فَتَنْفَعهُ ) بالرَّفعِ ( 3 ) عَطْفاً على ( يَذَّكَّرُ ) ، وبالنَّصْبِ جَواباً ل " لَعَلَّ " . ( فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) تَتَصَدَّى أي : تَتَعَرَّضُ بالإِقْبالِ عليهِ ، وقُرئَ : " تَصَّدَّى " بإدْغَامِ التَّاءِ في الصَّادِ ( 4 ) ، وقَرَأَ الباقِرُ ( عليه السلام ) : " تُصَدَّى " وَ " تُلَهَّى " بضمِّ التَّاءِ فيهِما ( 5 ) ، والمعنى : يَدْعُوكَ داع إلى التَّصَدِّي له من الحِرْصِ على إسْلامِهِ ، ويُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ عنْهُ . ( وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ) وليس عليك بأْسٌ ، أو : أَيُّ شيء عليكَ في أَن لا يَتَزَكّى بالإِسْلامِ ، ( إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلَغُ ) ( 6 ) . ( وَأَمَّا مَنْ جَآءَكَ يَسْعَى ) في طَلَبِ الخَيْرِ ( وَهُوَ يَخْشَى ) اللهَ ، أو : يَخْشَى الكُفَّارَ . وإذَا هَمَّ في إتْيانِكَ ( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) تَتَشَاغَلُ ، من : لَهَى عنْهُ وتَلَهَّى .
--> ( 1 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 701 مرسلاً . ( 2 ) قاله ابن إسحاق . راجع تفسير الثعالبي : ج 3 ص 442 . ( 3 ) هي قراءة الجمهور إلاّ عاصماً وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 672 . ( 4 ) قرأه ابن كثير ونافع . راجع المصدر السابق . ( 5 ) أُنظر شواذ القرآن لابن خالويه : ص 169 . ( 6 ) الشورى : 48 .